
من يوسف
مطرانية عكّا وحيفا والناصرة
وسائر الجليل
للروم الملكيين الكاثوليك
إلى إخوتي الكهنة، رعاة الكنائس المقدسة
والرهبان والراهبات، المكرسين والمكرسات والمؤسسات والمجالس العاملة في الأبرشية،
وجميع أبنائنا وبناتنا حيثما حلّوا في أرجاء هذه الأبرشية وفي العالم،
“أَبِت لقد خطأتُ للسماء وإليك”
أيها الإخوة والأبناء الروحيون الأعزاء،
من جديد يأتي فصح الرب للقائنا! ويوافينا زمن الأربعين المقدس هذه السنة وما زلنا في خضم تحديات العصر التي تراكمت علينا، إلّا أننا نثق بذاك الذي قال: “ثقوا أنا قد غلبتُ العالم” (يوحنا 16/33)، يسوع المسيح القائم من بين الأموات لأجل خلاصنا. والحقيقة العظمى في هذا الزمن المقدّس “إن من يسلك درب الألم مع المسيح، يصل معه إلى نور القيامة، ويلج قلب الله بأعمال المحبة الرحمة والإحسان والخير”.
نعم. يأتينا الصوم ليعلمنا أن الحصول على فرح القيامة، يسبقه جهاد روحي من خلال مسيرة ألم وصليب. فالصوم يترافق مع التضحية والرحمة وعمل الخير والانقطاع عمّا يُشوِّه صورة الله فينا. يأتينا الصوم ليعلمنا أن النفس القائمة مع المسيح هي تلك التي خَجِعت سابقاً، فَلَجَمَت شهوتها، وعرفت خطيئتها، ورجعت إلى أحضان الله الآب، كالابن الضال الذي عرف قيمته بعد الخطيئة، وعرف طريق الرجوع إلى الحضن الأبوي الذي لم ولن يتخلّى عنه أبداً.
من هذا المنطلق، تعلمنا الكنيسة المقدسة كيف نتحضَّر لزمن الفصح بشكل جذري عميق، لنسير عمق محبة الله الآب لأبنائه. هذا التحضير يبدأ في الآحاد المُهيِّئة للصوم، وعددها أربعة: أحد الفريسي والعشار، وأحد الابن الشاطر، وأحد مرفع اللحم، وفي الأخير أحد مرفع الجبن. ثم يليها ستة آحاد تنقلنا على درجات الفضائل الإلهية لنصل في نهاية مسيرتنا على رؤية وجه الله المتجسّد، أي المسيح، ونعلن واثقين انتصارنا على فانيات العالم، وحصولنا على نعمة الحياة الأبدية. الصوم ليس فقط الامتناع عن الطعام أو الانقطاع عن بعض أنواعه فقط، وليس كما يقول المثل العربي “صون ولا تصوم”، لا بل هو أكثر من هذا، هو بالأساس الانقطاع عمّا يُشوِّه صورة الله فينا، وبكسر علاقتنا معه ومع القريب. وعليه فالصوم، هو جَلمٌ لذّات الحياة التي تعصف فينا.
ولأجل ذلك نورد هنا نظام الصوم التقليدي الذي يضم الصوم (من نصف الليل وحتى نصف النهار)، والقطاعة التي فيها نمتنع عن أكل اللحوم وما ينتج عن الحليب والأجبان. أما الأسماك، وإن كانت من الدم البارد، كما يُقال، يُسمح بأكلها فقط يومي عيد البشارة (25 آذار)، وأحد الشعانين (10 نيسان). وهذا كلّه لأجل إعطاء قيمة لحياتنا، إعطاء قيمة لكافة الأمور والوسائل والأدوات التي نستعملها يومياً، وغابت عنّا قيمتها وأهميتها، حتى وإن كانت صغيرة.
تعلمنا هذه الآحاد وما ترسمه لنا الكنيسة عن فريضة الصوم، أن المسيح تكلّم عنها وأوصى بها كسلاح روحي ضد الشر، لأن بالصوم نتحدّى أنفسنا ونقف على التوبة مع ذواتنا أولاً، ثم إلى الحضن العائلي والكنسي. تعلمنا هذه الآحاد صدق الرحمة تجاه الغير. تعلمنا أن المغفرة مفتاح نور القيامة، وأن الإنسان مدعوٌّ أن يكون على مثال ذاك الرحيم، ليسرّ كل البيوت والرب بقيامته المجيدة.
في هذه الأيام المباركة والمقدّسة، نجتمع معاً كعائلةٍ واحدةٍ في كل كنائسنا ساجدين لرب القوات، سائلين بركاته ومراحمه، مصلّين مع العذراء مريم التي نقيم لها صلاة المدائح، لترافق مسيرتنا نحو السماء، فتغرس فينا الرجاء، كما الأم الحنون التي تزرع في كل بيت أُسُس المحبة والسلام.
صلاتنا من أجلكم جميعاً. من أجل رعايانا، وأبرشيتنا العكّاوية الحبيبة، من أجل أرضنا المقدسة أن يُبعد عنها كل عدو ومحارب، ومن أجل سلام العالم أجمع وثبات كنائس الله المقدسة، واتحاد الجميع.
نسأل لكم جميعاً، صياماً مقبولاً ومثمراً وفصحاً مقدساً. وليبارك الرب الإله أبناءنا ولكل عزيز علينا، ويُفرِض من نور نعمه على الجميع، هو المبارك إلى الأبد آمين.
صوم 2022
+ المطران يوسف متّى
متروبوليت عكّا وحيفا والناصرة وسائر الجليل
للروم الملكيين الكاثوليك



