“ليكن صومكم لأجل المصالحة” – رسالة الصوم شباط 2023

المطران يوسف متّى

مطرانية عكا وحيفا والناصرة
وسائر الجليل
للروم الملكيين الكاثوليك

“ليكن صومكم لأجل المصالحة”

إلى إخوتي الكهنة والشماسة

والرهبان والراهبات، والمدارس والمؤسسات العاملة في الأبرشية،
وجميع أبنائنا وبناتنا حيّا حلوًا في رجاء هذه الأبرشية وفي العالم،

من جديد يأتينا فصح الرب للقائنا بتاريخ 4/9/ 2023 يوافينا بعد فترة تحضير مباركة ومتفرّدة. إنها فترة الأربعين المقدّسة، يأتينا ليلفت نظرنا إلى أهميّته الأسمى: “إن من يسلك درب الألم مع المسيح، يصل معه إلى نور القيامة، ويلج قلب الله بأعمال الرحمة والإحسان والخير.”

مع هذه العبارة، فالصوم هو فعل لمحبّة تُجاه الله من خلال العودة إلى ذواتنا، وتِجاه الآخر القريب الذي أبعدناه عن قلبنا.

ثم، يأتينا الصوم ليعلمنا أن الحصول على فرح القيامة، يسبقه تجاهد روحي من خلال مسيرة ألم وصليب. فالصوم يجد ذاته لا يقتصر فقط على الامتناع عن الأكل أو القطاعة، لا بل يترافق مع التضحية والرحمة وعمل الخير والامتناع عمّا يُشوِّه صورة الله فينا من أعمال وأقوال.

يأتينا الصوم ليعلمنا أن النفس القائمة مع المسيح هي تلك التي تشفّعت سابقًا، فأخجّمت شهواتها، وعرفت خطيئتها، وتصالحت مع ذاتها، ورجعت إلى أحضان الله الآب. وعليه، فنحن اليوم مدعوون أكثر ما مضى، أن نُنقِّش عنّا غبار الزمن الحاضر ونمسح عن وجهنا مصاعب الدنيا ونتأمل في المسيح مصلوبًا لكي نرى فيه كلّ قوّة وكلّ يأس، ناظرين إلى المدينة المقدَّسة أورشليم، متأملين في تلك المحبة الإلهيّة التي اتّخذت كلّ شيء، من أجل خلاصنا.

من هذا المنطلق، تعلمنا الكنيسة المقدسة كيف نتحضّر لزمن الفصح بشكل جذري عميق، لنسير عمق محبة الله الآب لأبنائه. هذا التحضير يبدأ في الأحاد المهيِّئة للصوم، وعددها أربعة: أحد الفريسي والعشّار، وأحد الابن الشاطر، وأحد مرفع اللحم، وفي الأخير أحد مرفع الجبن. ثمّ يليها ستّة أحاد تنقلنا على درجات الفضائل الإلهيّة لنصل في نهاية مسيرتنا على رؤية وجه ابن الله المتجسّد والمنتصر على الموت، وإعلان وإثبات انتصارنا على فانيات العالم، وحصولنا على نعمة الحياة الأبديّة.

من منطلق هذه المسيرة الروحيّة، فالصوم، هو وسيلة مقدَّسة أوصى بها المسيح، ووضعتها الكنيسة الأمّ والمعلمة، لنتقدّم في هذه المحبّة التي خَصَّنا بها الله.

ولأجل ذلك نورد هنا نظام الصوم التقليدي الذي يضمّ الصوم (من نصف الليل وحتى نصّ النهار)، والقطاعة التي فيها نمتنع عن أكل اللحوم وما ينتج عن الحليب والأجبان. أمّا الأسماك، وإن كانت من الدم البارد، يُسمح بأكلها فقط يومي عيد البشارة (25 آذار)، وأحد الشعانين. وهذا كلّه لأجل إعطاء قيمة لحاجاتنا وللحاجيات اليوميّة التي نستعملها.

تعلمنا هذه الأحاد وما ترسمه لنا الكنيسة من أنظمة للصوم، أن نقف على التوبة. تعلمنا صدق الرحمة تُجاه الغير. تعلمنا أن المغفرة مفتاح نور القيامة، وأنّ الإنسان مدعوّ أن يكون على مثال ذاك الرحيم، ليسألك وإياه درب قيامته الجديدة.

في هذه الأيّام المباركة والمقدَّسة، نجتمع معًا كعائلة واحدة في كنائسنا ساجدين لرب القوات، سائلين بركاته ومراحمه، مصلِّين مع العذراء مريم التي نقيم لها صلاة المديح، لتوافق مسيرتنا نحو السماء، فنغرس فيها الرجاء، كما الأمّ الحنون التي تزرع في كلّ بيت أسس المحبة والسلام.

صلاتنا من أجلكم جميعًا. من أجل رعايانا، وأبرشيّتنا المكرّسة الحبيبة، من أجل أرضنا المقدّسة أن يبعد عنها كلّ عدوّ ومُخارب، ومن أجل سلام العالم أجمع وثبات كنائس الله المقدّسة، واتّحاد الجميع.

نسأل لكم جميعًا، صيامًا مقبولًا مثمرًا وفصحًا مقدّسًا. ليباركَ الرب الإله إيّاكم وكلّ عزيز عليكم، وينقص من نور نعمه على الجميع، هو المبارك إلى الأبد آمين.

صوم 2023

+ المطران يوسف متّى
متروبوليت عكّا وحيفا والناصرة وسائر الجليل
للروم الملكيّين الكاثوليك