رسالة فصحية 2026 - المسيح قام حقاً قام - المطران يوسف متى

المسيح قام… حقًا قام

المطران يوسف متّى

أيّها الأبناء الأحبّاء في الرب،

نشرق هذا الصباح في بهاء العيد العظيم، عيد القيامة المجيدة، لنقف بخشوعٍ أمام حضور حيّ وفاعل، يتجاوز حدود التاريخ، ويخترق واقعنا الزمني، ويجدّد فينا الرجاء. فالقيامة ليست حدثًا نحتفل به، بل حقيقة إلهيّة تتجدّد في قلب الكنيسة، وتعمل في حياة الإنسان، وتعلن أنّ الله ما زال حاضرًا، عاملاً، ومنتصراً في هذا العالم.

فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس، والنور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه.

يوحنا 1: 4–5

هذه الكلمة، التي أُعلنت منذ البدء، تتردّد اليوم بقوّةٍ أكبر في عالمٍ أنهكته الظلمات. ظلمة الحرب، وظلمة الخوف، وظلمة القلق على المصير والمستقبل الآمن، وحتى ظلمة القلوب التي أثقلها الألم، وظلمة الكنائس التي أفرغها الوجع قبل أن تفرغها الظروف.

أيّها الأحبّة،

نعيش زمنًا صعبًا، تختلط فيه مشاهد الألم بالرجاء، ويشعر فيه الإنسان أنّه محاصر بدوائر من العنف والضيق والمعاناة الاقتصادية الامراض والوجع، كأنّ ظلمة القبر قد خيّمت من جديد على حياتنا.

لكنّ إيماننا الفصحيّ لا يسمح لنا أن نتوقّف عند القبر، لأنّ القبر لم يكن نهاية القصة، ولن يكون واقعنا نهاية الطريق. فالحجر الذي أُغلق على الموت قد دُحرج، والقيامة أعلنت أنّ الحياة هي الكلمة الأخيرة، وأنّ الله لا يترك الإنسان في ظلامه.

فالربّ الذي قام من بين الأموات، هو نفسه الذي يدخل اليوم إلى أبوابنا المغلقة، كما دخل إلى علّية التلاميذ، ويقف في وسط خوفنا، ويقول لكل واحدٍ منّا: لا تخافوا.

إنّه لا يأتي من خارج جراحنا، بل من عمقها، حاملاً آثار الصليب، لأنّه الإله الذي أحبّنا حتى المنتهى، والذي حوّل الألم إلى خلاص، والموت إلى حياة، واليأس إلى رجاء.

أيّها الإخوة،

الفصح هو زمن العبور الحقيقي. عبورٌ داخلي عميق، من الشكّ إلى الإيمان، كما في مسيرة بطرس؛ ومن الخوف إلى الشهادة، كما في حياة الرسل؛ ومن الاضطهاد إلى الرسالة، كما في دعوة بولس.

إنّه عبورٌ يريده الله لكلّ إنسان: من انغلاق الذات إلى انفتاح اللقاء، من ثِقل الموت إلى فرح الحياة.

أمام القبر وقفت النسوة أمام سؤال: من يدحرج لنا الحجر؟ وهو السؤال الذي يتردّد اليوم في أعماقنا: من يدحرج حجر الحرب؟ من يرفع عنّا ثقل الخوف؟ من يبدّد ظلمة هذا الزمن؟

غير أنّ الجواب الإلهي سبق السؤال: الحجر صار مدحرجًا، والقبر فارغ، لأنّ الله يعمل في الخفاء، ويفتح للإنسان دروب الحياة حيث يظنّ أنّ كل شيء قد انتهى. الله هو الأمل.

فلا يخشَ أحدٌ الموت، لأنّ موت المخلّص قد حرّرنا، ولا يستسلم أحدٌ لليأس، لأنّ القيامة أعلنت انتصار الحياة. وكما تهتف الكنيسة في نشيد الظفر:

أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا جحيم؟ قام المسيح… فانبثقت الحياة في الجميع.

نعم، قد تخلو الكنائس أحيانًا، لكنّ حضور الله لا يغيب. قد تشتدّ الظلمة، لكنّ النور لا يُطفأ. قد يعلو صوت الألم، لكنّ كلمة القيامة تبقى أعلى وأقوى.

فلنعلن معًا، بإيمانٍ حيّ:
المسيح قام… لكل إنسانٍ، لكل أمٍّ وأبٍ، لكل شابٍ وشابة يختاران طريق الحياة، لكل قلبٍ بقي أمينًا للنور وسط ظلمات هذا العالم.

فلنرفع صلاتنا اليوم، من عمق هذه الأرض المقدّسة، ومن وسط آلام شعبنا، قائلين:
يا رب، افتح لنا أبواب رحمتك، جدّد فينا رجاء القيامة، ادخل إلى خوفنا وامنحنا سلامك، واجعلنا شهودًا لنورك في هذا العالم.

وفي الختام،

نبقى على يقينٍ راسخ أنّ الكلمة الذي صار جسدًا وحلّ بيننا، لم يترك عالمه، بل افتداه بموته، وجدّده بقيامته. ولذلك، مهما اشتدّت المحنة، ومهما طال الليل، يبقى رجاؤنا حيًّا، لأنّ الربّ قد قام، ووهبنا الحياة التي لا تزول. المسيح قام… حقًا قام.