الأسبوع العظيم للآلام: من ضعف الإنسان إلى مجد القيامة في المسيح

رسالة راعوية من المطران يوسف متى بمناسبة الأسبوع العظيم للآلام، يتأمّل في سرّ الصليب وتحوّل الألم إلى رجاء القيامة في المسيح

المطران يوسف متّى

أيها الأبناء الأحباء في الرب،

في الأسبوع العظيم، طريق الخلاص، نقف بخشوعٍ مرتعدٍ أمام سرّ التدبير الإلهي، حيث لم يشأ الابن أن يرفع الألم عن الإنسان من الخارج، بل أن يدخل إليه من عمقه، فيتجسّد في ضعفنا، ويقبل الآلام من خلال هشاشتنا البشرية، حاملاً إيّاها على الصليب، ليحوّلها من موتٍ قاتمٍ إلى ذبيحة حبٍّ مُحيية. وهكذا صار الصليب، الذي كان في نظر العالم عاراً وسقوطاً، عرشَ المجد الإلهي، وموضع انسكاب النعمة، وارتفاع الإنسان في قلب الله.

وفي زمننا الحاضر، لا تزال آلام الصليب تنبض في جسد البشرية: في المرض الذي ينهك الجسد، في الخوف من المجهول الذي يربك النفس، وفي قلّة الإيمان التي تُظلم بها البصيرة. في العنف وقتل النفس البريئة. غير أنّ هذه الآلام، إذا ما أُضيئت بسرّ المسيح، تتحوّل إلى مكانٍ لقاءٍ، حيث يفتقدنا الله في ضعفنا، ويُعيدُ تشكيلنا على صورة محبّته.

فلندخل إلى أعماق ذواتنا بتوبةٍ حقيقية، ولنغتسل بصمت الصلاة ودموع القلب، كما قال الرب: طوبى لأنقياء القلوب، لأنهم يعاينون الله (متى 5: 8). ففي نقاوة القلب لا نرى الله فحسب، بل نختبر حضوره الذي يشفي، ونعمته التي تسند، وحبّه الذي يبدّد كلّ خوف.

ويعلن الرب يسوع: وأنا متى ارتفعتُ عن الأرض جذبتُ إليّ الجميع (يوحنا 12: 32). إنّه ارتفاع الصليب، حيث تتجلّى المحبّة حتى النهاية، فتجذب الإنسان من انغلاقه إلى انفتاح النعمة، ومن عبودية الخطيئة إلى حرية حقيقية في الله، ومن ظلمة الموت إلى إشراق الحياة.

فلنسرْ في أثره، حاملين صليبنا كشركة سرّية في فدائه، لا كعبءٍ يُثقِل، بل كنعمةٍ تُقدّس، لكي تتحوّل جراحنا إلى مذابح حبّ، وضعفنا إلى قوّة قيامة، وخوفنا إلى رجاءٍ لا يخيب. ففي عمق الألم يولد السرّ، ومن قلب الصليب تفيض الحياة، وتُشرق فينا أنوار الفصح.

بركتي معكم جميعاً.

المطران يوسف متى

نيسان 2026