+ المطران يوسف متّى
كلمة محبة وشكر وتقدير.
أبونا، ثلاثون عامًا مضت منذ أن استجبتَ لنداء الرب، فوضعت يدك على المحراث ثابتًا نحو الغد. حملتَ نعمة الكهنوت المقدّس بإيمانٍ ومحبةٍ ورجاء. فجعلتَ من حياتك مسيرةً بذلٍ وعطاء، لمجد الله، وبنيان الكنيسة، وتقديس المؤمنين، واضعًا مواهبك وخبرتك في خدمة المذبح والإنسان.
على مدى هذه الأعوام، كنتَ كاهنًا أمينًا للكلمة والأسرار، وراعيًا قريبًا من أبناء شعبك، ترافقهم في أفراحهم وأحزانهم، وتشدّد ضعفهم، وتزرع في قلوبهم التعزية والرجاء. حملتَ الإنجيل في قلبك، وقدّمت الذبيحة الإلهية بخشوع، وسعيتَ إلى أن تكون خدمتك علامةً لحضور المسيح الراعي الصالح، الذي جاء «لا ليُخدَم بل ليَخدُم ويبذل نفسه فداءً عن كثيرين».
وفي مدينة شفاعمرو، كان حضورك الكهنوتي الطيب جسرَ محبةٍ وأخوّة بين مختلف الطوائف والكنائس وأبناء المجتمع الواحد. ومن ينابيع إيمانك الصافي، سقيتَ الجميع كلمةً طيبة، وموقفًا حكيمًا، وقلبًا محبًّا. فكنتَ رجلَ حوارٍ ومصالحة، وصوتًا داعيًا إلى الوحدة والتسامح والعيش المشترك، وتركتَ بصماتٍ مضيئة في النفوس وفي كل مكان خدمته.
وفي رعايا الأبرشية، كنتَ قريبًا من المؤمنين، حاضرًا بينهم بمحبة الأب وغيرة الراعي. خدمتَ الكنيسة في المذبح والوعظ والإرشاد، واهتممتَ بالعائلات والشبيبة والمحتاجين، مؤمنًا بأن الكاهن مدعوّ إلى أن يكون أبًا للجميع، ورفيقًا للمتألمين، وحارسًا للإيمان، وصانعًا للسلام والرجاء.
وفي خدمتك قيّما عامًا للأبرشية، حملتَ أمانة المسؤولية بتفانٍ وإخلاص، وسهرتَ بحرصٍ كبير على ممتلكات الكنيسة وأوقافها. وقدّمت تضحياتٍ جليلة في سبيل المحافظة عليها وصونها وتنميتها، لتبقى إرثًا مقدّسا في خدمة رسالة الكنيسة وأبنائها والأجيال المقبلة. ولم تنظر إلى هذه المسؤولية بوصفها عملًا إداريًا فحسب، بل باعتبارها خدمةً كنسية وأمانةً أمام الله والتاريخ.
وكخادمٍ أمين في دار المطرانية، كنتَ حاضرًا في تفاصيل الحياة الأبرشية، تسهم بخبرتك ومشورتك ومتابعتك في معالجة القضايا المختلفة، وتتحمّل الكثير من الأعباء بصمتٍ وصبر. فكنتَ معينًا في المسؤولية، وغيورًا على كرامة الأبرشية، وحريصًا على وحدتها واستقرارها وحسن سير رسالتها الروحية والرعوية والإدارية.
كما شهدت مدينة عكا عطاءك المميز، إذ عملتَ بمحبةٍ وجهدٍ دؤوب على تجديد الكنيسة والأنطش وكرسي المطرانية الأول. فأعدتَ إلى هذه المعالم الكنسية العريقة رونقها ومكانتها، وحافظتَ بذلك على ذاكرة الأبرشية وتراثها الروحي والتاريخي الحي، لتبقى عكا شاهدةً على جذور كنيستنا وحضورها ورسالتها المتواصلة.
وفي مدارسنا الأبرشية، وخصوصا مدرسة المطران بالناصرة، كان لك حضورٌ مسؤول وإسهامٌ مبارك في دعم رسالتها التربوية والإنسانية. وقد انطلقتَ في ذلك من إيمانك بأن المدرسة الكنسية ليست مكانًا لنقل المعرفة فحسب، بل هي بيتٌ للتربية على الإيمان والقيم والكرامة والمحبة، ومصنعٌ لبناء الإنسان الصالح والمنتمي إلى كنيسته ووطنه ومجتمعه.
وقد تميّزت علاقتك معي، بصفتي راعي الأبرشية، بروح التعاون والثقة والالتزام، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة. فكنتَ إلى جانبي مرشدًا وموجّهًا، وصاحبَ خبرةٍ ومشورة، غيورًا على مصلحة الأبرشية، حريصًا على خير مؤسساتها ورعاياها وأبنائها، ومستعدًا لتحمّل المسؤولية ومواجهة الصعوبات بثباتٍ وأمانة.
ومع إخوتك الكهنة، كنتَ أخًا وصديقًا وشريكًا في حمل أعباء الرسالة. حافظتَ على روح الأخوّة الكهنوتية، ووقفتَ إلى جانبهم في أوقات الفرح والتعب، وسعيتَ إلى جمع القلوب وتعزيز المحبة والتعاون. فالكهنوت، كما عشته، ليس خدمةً فردية، بل شركةٌ مقدّسة تجمع الكهنة حول مذبحٍ واحد، وراعٍ واحد، ورسالةٍ واحدة، في خدمة شعب الله.
إن هذه الأعوام الثلاثين لم تكن مجرّد زمنٍ مضى، بل صفحاتٍ كهنوتيةً مشرقة، خطّها الإخلاص والتفاني والصبر والمحبة الصادقة لله والكنيسة والإنسان. وإنّ ما قدّمته هو موضع تقديرٍ وامتنان، وما زرعتَه سيبقى شاهدًا حيًّا وثمرًا مباركًا في حياة الأبرشية ورعاياها ومؤسساتها وأبنائها.
فامضِ في رسالتك بثقةٍ ورجاء، ولا تدع تعب السنين يحجب عنك فرح الدعوة وجمال الخدمة. فما زالت الكنيسة تنتظر منك الكثير، بخبرتك وحكمتك وغيرتك وقلبك المحب وما زال عطاؤك قادرًا على فتح أبواب الرجاء وتشجيع النفوس، وجمع القلوب حول المسيح وكنيسته.
إلى أعوامٍ عديدة مقدسة ومباركة.
† المطران يوسف متى



