ترأس سيادة المطران يوسف متى راعي الأبرشية العكاوية القداس الإلهي في كنيسة السيدة في بيت النعمة في حيفا، وذلك في غروب عيد ميلاد والدة الإله مريم العذراء. وعاونه كل من الأب طلال ثعلب الرئيس الروحي لرعية مار إلياس في حيفا والأب مكاريوس جريس، بحضور الأرشمندريت الدكتور سيمون خوري. ويصادف اليوم مرور 44 عاما على تأسيس بيت النعمة، الذي أقامه الطيب الذكر كميل شحادة، ويديره اليوم زوجته أغنيس وأولاده.
وقال سيادة المطران متى في عظته: نحتفل في هذا المساء بعيد ميلاد أمنا مريم العذراء، وهذا العيد الذي نفتتح به السنة الطقسية، لكي تسير معنا هذه الأم التي وهبها يسوع المسيح أما لكل البشرية. أما ترعى وتنظر إلى أبنائها بعين الحنان، تلك الأم التي رافقت السيد المسيح منذ أن بُشر به إلى ما بعد القيامة، عندما رافقت الكنيسة التي أسسها السيد المسيح. هذه الأم التي نبدأ بها سنتنا وبها نختم أيضا السنة الطقسية، بعيد رقادها وانتقالها بالنفس والجسد إلى السماء لتكون بجوار ابنها الحبيب، فهي حملته وهو يحملها في رقادها إلى ذلك المجد.
وأضاف سيادته قائلا: إن الآباء القديسين قالوا عن ميلادها إنه ميلاد البشرية الجديدة. هذا الذي كان في مستودعها آخذا منها الطبيعة البشرية، وهو يمثل كل إنسان مخلوق على صورة الله. هذه الطبيعة البشرية، التي وصفت بأنها حواء الجديدة، هي طبيعة كل إنسان فينا، التي بدأت بالمعمودية، ويصبح كل فرد بالمعمودية مشاركا في عمل الخلاص، الذي تم بيسوع المسيح القائم من بين الأموات. عندما قبلت مريم هذه البشرى، لأن الله أعدها منذ أن كانت حنة حبلى بها، أعدها لتكون أم البشرية بواسطة الابن يسوع أي الله المتجسد. وهذه الولادة التي بدأت بالميلاد، تكتمل بالقيامة، عندما قام المسيح بنفس الطبيعة التي ولد فيها، وأعطى الحياة لكل بشر من خلال طبيعته البشرية. وما كان هذا ليتم دون كلمة واحدة لمريم العذراء وهي “نعم” ليكن لي بحسب قولك.
ومن تلك اللحظة تجسد المسيح في أحشائها، تلك التي أعدها الله بالميلاد المعصوم عن الخطأ، بدخولها كما تقول الأناجيل إلى الهيكل تصاحبها الطهارة، وهي ستكون العرش الذي سيدخل فيه الله، وهو يسوع المسيح.
ميلاد مريم العذراء هو تلك الرؤيا لميلاد كل فرد منا عندما يقول للرب نعم يا رب. وعندما يقبل هذه المعمودية بالإرادة، يصبح هو مكان سكنى الله فيه من خلال صورة الله، والمسيح التجسد، ونعمة الروح القدس التي يأخذها على كل إنسان من خلال سر التثبيت. فنصبح نحن كما كانت هي هيكلا، كقول بولس الرسول: أنتم هيكل الله وروح الله ساكن فيكم.
هذا ما كانت مريم العذراء التي نزل وقدسها ككل إنسان آت إلى العالم. وميلاد مريم العذراء هو مسيرة كل إنسان عندما يقبل نعمة المسيح بالعماد، سيسير نحو المسيح المخلص القائم من بين الأموات بالشهادة للإيمان، بعيش الإيمان الصحيح، بأن يكون شاهدا على الإيمان، شاهد رسول كما كانت مريم العذراء شاهدة على الإيمان، وعلى الخلاص، رسول. أخذت هذه البشرى السارة للارتباط بكل البشرية.
مريم العذراء هي صورة لكل إنسان فينا، يسير نحو الهدف، نحو الرجوع إلى الله الذي منه خرجنا وإليه نعود بعد استكمال مسيرتنا الأرضية، لنرى الله وجها لوجه. هذا الذي أحبنا وبذل ذاته عنا. مريم العذراء التي تحدّت وحملت تحديات البشرية كلها إلى اليوم نحن نعاني منها، ونعيشها في حياتنا، وهي تواكب إيماننا إلى اليوم، ولكن لتكن فيكم الثقة التي كانت بمريم العذراء، عندما تحدّت وقالت ليكن لي بحسب قولك، ها أنا ذا أمة الرب. ورغم كل شيء وكل تحدّ، تبقى كلمة يسوع لا تخافوا، أنا معكم. كما قال لها الملاك: لا تخافي يا مريم لأن الله اصطفاك واختارك واختار كل فرد منا بهذه الدعوة لكي تكون أنت هيكل لحضور الله فيك، كما كانت مريم.
مريم التي سارت معنا في كل مراحل حياتنا، حتى قدمت لنا المسيح. وهذا ما قاله الآباء في الكنيسة: إنها المرأة التي ولدت البشرية من جديد، بحصولها على هذه النعمة، فهي تلد كل إنسان كأولاد لله، وبالإيمان نصبح ورثاء للمسيح، ونصبح بواسطة المسيح أبناء الله. فمريم العذراء هي الأم التي ولدتنا في المسيح بحياتنا الجديدة، والله المتجسد يسوع المسيح هو ذاك الآب الذي يريدنا أن نعود إليه كما كنا معه في بدء الخليقة. أحبنا الله فخلقنا على صورته ومثاله بمريم العذراء. ونحن اليوم نفرح بهذا اللقاء في هذا المكان المقدس الذي يحمل تاريخ هذه الأم ويحمل كشفيعة هذا العيد. عيد ميلاد أمنا العذراء. نفرح معكم لأنكم أنتم أبناء الله، ومريم هي الأم التي تنظر إلينا وترافق مسيرتنا الإيمانية لنصل إلى ابنها بفرح وسلام. رغم انشغالنا بأمور الدنيا كما كانت مرتا، مهتمة بأمور كثير، وإنما الحاجة إلى واحد. ويقول الكتاب المقدس اطلبوا أولا ملكوت الله وبره، وكل شيء آخر يزاد لكم.
ونطلب من المسيح أولا أن يكون هو بداية حياتنا ونهايتها، هو المرافق لنا في كل لحظة وكل ساعة، لكي نكون واثقين بأن الله معنا ويسوع يأخذنا نحو بر الأمان. أتمنى أن نكون كلنا على مثال مريم العذراء، أن نكون ونسمع كلمة الله، ونعيشها في كل لحظة من لحظات حياتنا.
وقبل القداس أقيمت صلاة الإغربنية، وتكسير الخبزات، وهي رتبة من صلوات الغروب، يتم فيها تقديس القرابين، مع الخمر والزيت والقمح.









